The story
أهلاً بكم في قلب برلين، حيث تلتقي فخامة الماضي بصخب الحاضر. قفوا لحظة وتأملوا هذا الصرح الشامخ الذي يرتفع أمامكم. إنكم لا تنظرون الآن إلى مجرد بناء من الحجر الرملي، بل تنظرون إلى بوابة براندنبورغ، الرمز الذي اختزل تاريخ ألمانيا وأوروبا المتقلب في أعمدته الضخمة.
بُنيت هذه البوابة في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديداً بين عامي 1788 و1791، بأمر من الملك فريدريك ويليام الثاني. أرادها أن تكون رمزاً للسلام، ولذلك استلهم المعماري كارل غوتهارد لانغانس تصميمها من مدخل الأكروبوليس في أثينا، مما منحها هذا الطابع الكلاسيكي المهيب الذي ترونه. ارفعوا أبصاركم إلى الأعلى، إلى قمة البوابة، حيث تتربع "الكوادريغا".
إنها تلك العربة البرونزية التي تجرها أربعة خيول وتقودها فيكتوريا، إلهة النصر. هذه العربة وحدها تروي حكايات من المجد والانكسار. ففي عام 1806، عندما اجتاح نابليون بونابرت برلين، أُعجب بالكوادريغا لدرجة أنه أمر بفكها ونقلها إلى باريس كغنيمة حرب.
ولكن بعد هزيمة نابليون، استعادها البروسيون وأعادوها إلى مكانها، وأضافوا إليها الصليب الحديدي ورمز العقرب البروسي، لتصبح رمزاً للانتصار على الغزاة. ولكن، لعل الفترة الأكثر تأثيراً في تاريخ هذه البوابة هي سنوات الحرب الباردة. عندما سقط "الستار الحديدي" وانقسمت برلين إلى شرق وغرب، وجُسد ذلك ببناء جدار برلين عام 1961، وجدت البوابة نفسها في "منطقة محرمة".
كانت محاصرة بين الأسلاك الشائكة وحقول الألغام، لا يمكن لأحد من سكان برلين الشرقية أو الغربية الاقتراب منها. تحولت من رمز للسلام إلى رمز للانقسام والقطيعة. تخيلوا الوقوف هنا في عام 1987، عندما صرخ الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بكلماته الشهيرة التي ترددت أصداؤها عبر الجدار: "سيد غورباتشوف، افتح هذه البوابة!
سيد غورباتشوف، اهدم هذا الجدار!" وبالفعل، عندما سقط الجدار في نوفمبر 1989، تدفق عشرات الآلاف من الناس نحو هذه الساحة، "ساحة باريسر" (Pariser Platz)، ليعانقوا بعضهم بعضاً في مشهد إنساني مهيب، لتتحول البوابة مرة أخرى وأخيرة إلى رمز للوحدة والحرية. التفتوا حولكم الآن في ساحة باريسر.
ستجدون فندق "أدلون" العريق الذي سكنه ملوك وفنانون، وترون السفارات الفرنسية والأمريكية تحيط بالمكان، مما يجعل هذه الساحة واحدة من أرقى العناوين في العالم. اليوم، برلين مدينة حية، وبوابة براندنبورغ هي قلبها الذي لا يتوقف عن النبض. أنصحكم بالمشي بين أعمدتها الضخمة، المسوا الحجر الرملي، واستشعروا عظمة القصص التي مرت من هنا.
سواء كنتم تزورونها في وضح النهار حيث تلمع تحت أشعة الشمس، أو في المساء حين تضاء بألوان دافئة تعكس جلالها، ستظل بوابة براندنبورغ تذكرنا دائماً بأن الجدران، مهما طال بقاؤها، مصيرها الانهيار، وأن إرادة الشعوب في الحرية هي التي تبقى وتنتصر. استمتعوا بجولتكم في هذا الممر التاريخي الفريد.