The story
أهلاً بكم في أساكسا، الحي الذي لم يتخلَّ يوماً عن روحه القديمة رغم ناطحات السحاب التي تحيط به. أنا أفشا، وسأكون دليلكم اليوم في رحلة عبر الزمن داخل أروقة معبد "سينسوجي"، أقدم وأهم معبد بوذي في طوكيو. قفوا معي الآن أمام "كاميناريمون" أو "بوابة الرعد".
انظروا إلى ذلك الفانوس الأحمر الضخم الذي يتوسط المدخل؛ إنه ليس مجرد زينة، بل رمز للحماية والازدهار، يزن مئات الكيلوغرامات ويحمل اسم الحي بحروف يابانية مهيبة. على جانبي البوابة، يراقبنا "فوجين" إله الرياح، و"رايجين" إله الرعد، بملامحهما الصارمة التي تهدف لطرد الأرواح الشريرة وتأمين هذا الحرم المقدس. بينما نعبر البوابة، تبدأ قصة سينسوجي الحقيقية، وهي قصة تعود إلى عام ستمئة وثمانية وعشرين ميلادية.
تخيلوا أخوين صيادين كانا يلقيان بشباكهما في نهر "سوميدا" القريب، وبدلاً من الأسماك، علق في شبكتهما تمثال ذهبي صغير للإلهة "كانون"، إلهة الرحمة. حاول الأخوان إعادة التمثال إلى النهر مراراً، لكنه كان يعود إلى شباكهما في كل مرة. هنا أدرك أهل القرية أن هذا المكان قد اختارته الآلهة، فبني هذا المعبد تكريماً لها، ليصبح منذ ذلك الحين مقصداً لملايين الباحثين عن الطمأنينة.
نمشي الآن في شارع "ناكاميسي"، وهو ممر يمتد لمئتي متر ويربط البوابة بالحرم الداخلي. استنشقوا الروائح المنبعثة من هنا؛ إنها مزيج ساحر من بخور المعابد ورائحة بسكويت "السينبي" المحمص وفطائر "النينغيو-ياكي" المحشوة بمعجون الفاصوليا الحمراء. هذا الشارع ليس مجرد سوق سياحي حديث، بل هو تقليد يعود لقرون، حيث كان الحجاج قديماً يتزودون منه بالهدايا والبركات.
نصل الآن إلى بوابة "هوزومون" العظيمة، وبمجرد عبورها، انظروا إلى جهة اليمين. سترون زوجاً من الصنادل العملاقة المصنوعة من القش، تُسمى "أو-واراجي". تقول الأساطير المحلية إن هذه الصنادل تخص حارساً عملاقاً يحمي المعبد، وعندما يراها الأشرار، يظنون أن صاحبها جبار فيفرون هاربين.
أمامنا الآن القاعة الرئيسية "هوندو". قبل أن نصعد الدرج، توقفوا عند وعاء البخور الكبير "جوكورو". ستلاحظون الناس يلوحون بالدخان نحو رؤوسهم وأجسادهم؛ إنهم يؤمنون بأن هذا الدخان المقدس يمنح الحكمة ويشفي الأوجاع.
اتبعوا خطاهم، ثم ادخلوا القاعة واستمعوا لصوت قطع العملات النقدية وهي تسقط في صندوق العطايا، متبوعة بضربتين خفيفتين بالكف ودعاء صامت. على يساركم، ترتفع المئذنة الخشبية ذات الطوابق الخمسة، التي تبرز في سماء طوكيو كمنارة للروحانية. إن سينسوجي ليس مجرد حجارة وأخشاب، بل هو الروح التي نجت من الحرائق والحروب لتبقى شاهدة على صمود وجمال الثقافة اليابانية.
خذوا وقتكم، استشعروا السكينة، ودعوا سحر أساكسا يغمر حواسكم قبل أن نواصل رحلتنا.