The story
أهلاً بكم في قلب ميناء نيويورك العظيم، حيث يلتقي صخب المدينة بهدوء المحيط الأطلسي. تنفسوا هواء البحر المالح وانظروا نحو الأفق، هناك، فوق جزيرة "ليبرتي"، تقف تلك السيدة المهيبة برداء أزرق مخضر، ممسكة بمشعلها عالياً كأنها تقود السفن إلى بر الأمان. نحن اليوم في حضرة "تمثال الحرية"، أو كما سماه الفرنسيون عند إهدائه "الحرية تنير العالم".
تخيلوا أنفسكم في أواخر القرن التاسع عشر، كانت نيويورك مدينة تنمو بجنون، وفي عام ألف وثمانمائة وستة وثمانين، كُشف الستار عن هذه المعجزة الهندسية. لم تكن مجرد تمثال، بل كانت رسالة صداقة من شعب فرنسا إلى الولايات المتحدة في ذكرى مئوية استقلالها. خلف هذا التصميم المذهل يقف النحات الفرنسي فريدريك أوغست بارتولدي، لكن السر الحقيقي يكمن في الداخل؛ حيث صمم الهيكل الحديدي الداخلي غوستاف إيفل، وهو نفس المهندس الذي بنى برج إيفل الشهير في باريس قبل أن يبدأ في مشروعه الباريسي.
انظروا إلى القاعدة الحجرية الضخمة التي تستند إليها السيدة. هل تعلمون أن بناء هذه القاعدة كاد أن يتوقف بسبب نقص التمويل؟ لولا الصحفي الشهير جوزيف بوليتزر الذي أطلق حملة تبرعات في صحيفته، وطلب من الناس العاديين المساهمة ولو بسنتات قليلة، لما وقفت السيدة في مكانها اليوم. لقد كانت حقاً هدية من الناس إلى الناس.
بينما تتأملون ملامحها، دققوا في التفاصيل. في يدها اليسرى، تحمل لوحة كُتب عليها تاريخ الرابع من يوليو عام ألف وسبعمائة وستة وسبعين بالأرقام الرومانية، وهو يوم إعلان الاستقلال الأمريكي. وعلى رأسها، يبرز تاج بسبعة أشعة، يمثل كل شعاع منها القارات السبع والبحار السبعة، في إشارة إلى أن الحرية هي حق كوني لا يحده مكان.
وإذا استطعتم النظر إلى قدميها، فستجدون سلاسل محطمة، ترمز إلى التحرر من القيود والاستبداد. لكن القصة الحقيقية لتمثال الحرية ليست في النحاس أو الحجر، بل في العيون التي نظرت إليه لأول مرة. فبالقرب من هنا تقع جزيرة "إليس آيلاند"، التي كانت بوابة لملايين المهاجرين الباحثين عن حياة جديدة.
بالنسبة لهم، كان هذا التمثال هو أول ما يرونه بعد رحلات شاقة ومريرة عبر المحيط. كانت السيدة هي الوجه الذي يبتسم لهم ويعدهم بالأمل في أرض الأحلام. ونحن نبتعد قليلاً لنرى أفق مانهاتن المتلألئ خلفها، تذكروا كلمات الشاعرة إيما لازاروس المحفورة على القاعدة: "أعطوني المتعبين، الفقراء، الجموع المتراصة التواقة إلى التنفس بحرية".
إنها روح نيويورك، مدينة الشجعان والمغامرين. شكراً لمرافقتي في هذه الجولة، واستمتعوا بسحر الميناء الذي لا ينام.